مسرحية « توقيع » تحاكي الواقع السياسي ومفارقات المغرب الاجتماعية

Samedi, février 16, 2019

يدخل الجمهورُ قاعة عرض مسرح محمد الخامس، فيجد أربعة مشخّصين جالسين في انتظاره، اثنان واثنتان قاعدون على أرائك حمراء ورمادية، ترافق جلسَتهم أغنية حماسية يَتَرَاءى للجالس أنّها تزاوج صيحات الأدغال بدقات الطبول وأنغام البيانو.

الرّجل الأول يرتدي ربطة عنق حمراء، ويضع رجلا فوق رجل، وتتّجه قدمه إلى اليسار حيث يجلس شاب يبدو أنّه في أواخر الثلاثينات من عمره وتعلو ساقُه ساقَه الأخرى، فيما تشير قدمه إلى اليمين، مما قد يوحي بوجود صدام أو تعارض بينهما.

عين على الشخصيات

ينطلق العرض بتقديم كل شخصيّة نفسها للجمهور؛ فحمزة، ذو ربطة العنق الحمراء والبذلة الرسمية الأنيقة، سياسيٌّ لا يدري الناسُ حقيقة إن هو رجل جيّد أم فقط يمثّل جيّدا. وسكينة محامية لا تجد حتّى من يُرافع لصالحها، وكنزة لعوبٌ ذات لسان « خفيف » وعين كبيرة، وطارق وزير سريع الخطوات دائما ومتأخّر دوما ومثابر في عمله.

وتُفتَح الستائر لتظهر شخصية خامسة هي شخصية الحسين، حارس سجن يقدّم نفسه رجلا جيّدا و »درويشا »، يشتكي من كلّ شيء، بما في ذلك زوجته وأطفاله، وصولا إلى « تجرُّئِه » في بعض الأحيان على انتقاد السّلطة و »المخزن ».

تعيد الشخصيات تشكيل ديكور الخشبة بسلاسة، ويرافق ذلكَ تعتيمٌ في الإضاءة وأصوات إخبارية تتحدّث عن تفكيك خلايا إرهابية وانهيار عمارة، يوازيها عرض تلفزي في شاشات على جانبي القاعة تظهر مقتطفات من نشرات الأخبار أو أحداثا واقعيّة موثّقة، ليبدو بعد ذلك السياسي قلقا ويظهر على ملابسه التّبعثر، ثم يسترسل في التساؤل بصوت مرتفع..

سياسة بلا خطابة!

« أنا سياسيّ! لم لا أتكلّم في السياسة؟ »، « يريدون أن يربّوني بالسّجن وكلّ شيء بالقانون! » بهذه الجمل ومثلها يخاطب حمزة، السياسي الوطني والمقاول، نفسه، قبل أن ينصاع لأوامر السّجان، الحسين، الذي لم يعهد زيارة أمثاله للسّجن.. فينزّل عليه ما أوحي له به من أوامر، آبيا حتى تمكينه من دواء نومه الذي لا يغمض جفنه بدونه، دون استشارة مسؤوله.. قبل أن يعبّر فيما بعد عن إحساسه بصدقيّة السجين ومظلوميته.

السياسي حمزة وجد نفسه، بعد تصريح إعلامي بالخارج ساءل فيه نزاهة صفقات عسكرية، يفترش حصير السّجن في زنزانة انفرادية، ويحتسي الماء من قنينة تسع خمسة لترات، ومع توقّف سرعة الحياة وتغيّرات عالم المال والأعمال، أحسّ لأوّل مرّة، منذ أمد، بضعفه وبـ »الحكرة » وبأخطائه، وانتبه، تحقيقا لا تعليقا، إلى نسيانه أقرباءَهُ: زوجته وابنه ذو الاحتياجات الخاصّة.

سكينة، المحامية ربة البيت وزوجة السياسي، تحسّ من جهتها بالفراغ، وتحكي بكائياّتِها على صوت القيثارة، موضّحة للجمهور أنها منذ زمن لم يعد يجمعها بزوجها إلا الولد، إلا من لحظات وهو سكران، وأنّها تائهة بين احتمالات الحياة، وأجنحتها مكسّرة أمام الحظّ، الذي لم تكن تراه عاملا مؤثّرا ولا حتى حقيقة في الماضي، مشتكية تعبها من أسئلة الناس التي لا تستبطن أسئلة حقيقية، بل مجاملات تمليها الضرورة.

علاقات هجينة

يجمع كنزة، اللعوب أخت الوزير طارق، حوار مع سكينة، بنت عمّها، يستشفّ منه المشاهد مدى الزور والادّعاء الذي « يجمع » بعض العلاقات الاجتماعية، ويسمع فيه جملا لا تحقّق تواصلا ولا تبني ثقة، بل تستند على همز ولمز هادم يسترق النّظر إلى عورات الناس، ويستدعي ما يمكن أن يسجَّل به هدف في مرمى « الخصم ».

طارق، الوزير المناضلُ في حزبِ السياسيِّ المعتقَلِ الذي احتضنه في بداياته، تناسى فضله عليه، وعبّر عن ضرورة كتابة المعنيّ « طلب استعطاف »، مغمغما بكلام ما مفاده أنّه لا يمكن لحمزة أن يتحدّث عن ميزانية الجيش خارج المغرب وتاريخُه مليء بالفضائح والتلاعبات، وأنّ زوجة حمزة « لا تفهم أو لا تريد أن تفهم ».

الوزير أصبح يرى أنّ بطاقة النضال غير كافية، وشرد في حديثه ناسيا قضية رئيسه في الحزب الذي يفترش الأرض، واستحضر رغبته في التميّز بالانتماء إلى أيّ حزب كان؛ فالمهم أن لا يعرّف كتقنوقراط وكفى، أي بوصفه كفاءة دون تموقع أُدلوجي، ولا عيب عنده في أن يُخَنْدَقَ تحت يافطة ما لا يقتنع به، حتى يكون، بعدما يصله صدى رضى « الفوق »، « رئيسَ حزب ولم لا رئيس حكومة ».

قبّعتان.. حياة واحدة

يغيَّر الديكور ليجد الجمهور نفسه على موعد مع الحسين، حارس السجن، حليق الذّقن، فيفهم المشاهد في هذه المرحلة علاقة المسرحية بالشاشات على جانبَي خشبتها: ربط للواقع الممسرح بقسوة الواقع التي تنطق بلسانها نشرات الأخبار.

الحسين يرتدي قبّعتين، قبّعة السجن التي تمثّل العمل الشّريف والواجب الوطني وطاعة المخلوق، ويعتمر تحتها قبّعة بيضاء ذات بعد ديني تعكس، هنا، « التزامه »، فيما يناقض ذلك الحرصَ على اعتمار القبّعتين حرصُهُ المَرَضِيُّ على حلق لحيته لأنّها أصبحت « مونتيف »، أي مسبّبة للمشاكل.

يناجي الحسين نفسه، مثيرا أسئلة خامرت « الوعي الجمعيّ » في عام 2018، فمن الهجرة السّريّة إلى أسئلة « المُدَلّكة والنّفاق »، مرورا بمواضيع العنف والإرهاب التي يستعظمُها ولا يريد أن يكون جزءا منها، لأنه يريد فقط أن يكون داعية « يجاهد بلسانه ».

لعبة الحياة

يعاد تشكيل الديكور ليعكس انتماءات حدّيّة، صفريّة، فتعكس الأريكتان الحمراوان الحبّ والألم في الآن نفسه، فيما تعكس الأريكَتان الرماديتَان التذبذب والجانب الشرير، تقريبا، في الإنسان.

زوجة حمزة جالسة في الظّلّ، أي أنّها على هامش الأحداث ولا دراية لها بما هو « تحت الضوء »، بجانبها تتحدّث كنزة عن تأنيب ضميرها، الذي رافق مسارها « من اللعب إلى الجد » مع حمزة، المتزوِّج بابنة عمها التي تربّي طفلا مريضا، والذي قادها إلى الحسم في إنهاء هذه العلاقة أسبوعا قبل اعتقاله، ولكنّ الرياح سارت بما لا تشتهيه « سفينتُها ».

عبّرت زوجة حمزة، بعدما سُلّط عليها الضوء، عما يختلِجُها؛ فمِن بكائها وزوجها بلا دموع منذ ولادة طفلهما، كلّ من جهته، إلى سرقة الحزب 15 سنة من عمرهما قبل اختبائه عندما وقعت الواقعة.. حمزة، وهو وحيد في زنزانته، يستعيد بدوره مساره وزوجَته، فمن محبّته إيّاها إلى غرق كل منهما في جهته، مرورا بدفع أبويهما لهما للزواج؛ فقبل كل شيء أبوها كان جنرالا وأبوه كان قياديّا في « الحزب »، مع كلّ ما تحمله « الـ » التعريف هنا من دلالة عندما تقرأ في سياق التاريخ السياسي المغربي.

حرارة.. برودة

عالمان متناقضان.. فردان كشف لهما ما وراء الستار، فأصبحا يريان الأمور « على حقيقتها »: قسوة، وظلم، وتفاخر، وكلّ شيء إلى زوال.. وآخران يقهقهان في المشهد الموالي، ويحتسيان كؤوس « المشروبات القويّة »؛ وبين ما « يجمع » حمزة وزوجته، رغم وجودهما في فضاءَين مختلفين، وما يجمع الأخوين، المقاولة الطموحة كنزة والوزير الطموح طارق، دلالة على البون الشاسع بين « الوهم » و »الحقيقة »، ودلالة على كيفيّة تجديد الأبنية القائمة شرعيّتها..

يتجدّد هذا التقابل أيضا في زيارة هؤلاء الثلاثة للسّجين السياسي المضرِبِ عن الطّعام، فعكس التّفاعل الحارّ والصادق، الذي جمع حمزة بزوجته في زنزانته، كان لقاؤه بالوزير طارق لقاء رسميا مليئا بنقط الحذف، وبعيدا عن التعاطف لا يُري فيه إلا ما أورِيَهُ، غالبا، فيما فاجأه حضور « عشيقته التي تلبس القصير دائما »؛ فالعوالم التي يجتهد الإنسان في التفريق بينها ليست إلا بناءات ذهنيّة والعالَمُ واحد، ولكلّ فعل ردّ فعل..

قبل انسدال الستار للمرّة الأخيرة نسمع « كلاما لا عملا »: حديثٌ مجترّ عن بناء دولة القانون شيئا فشيئا، وموت الناس بالبرد في جبال مغربية. يستحضر المتفرّج انتقالَ رئيس الحزب من الياقة والبذلة الرسمية الفاخرة إلى النوم بألبِسته الداخلية، ونرى الشّخصيات واقفة بثبات تعكس كلّ منها علاقة معيّنة بالواقع، وجزءا من المجتمع المغربي، كما هو قائم اليوم سياسيا واقتصاديا وإنسانيا. تخبرنا « الأخبار » أن رئيس الحزب السياسي استقال.. وتنتهي المسرحية، تاركة الجمهور يقارن بين التّخييلِ والواقع بوُزرائه، ورؤساء أحزابِه، وفاعلِيه، ومقاوِلاته، وزيجاتِهِ، والأبناء، أي المستقبل، من ذوي الاحتياجات الخاصّة ممن لحقهم الإهمال وتُرِكوا ليعتني بهم طرفٌ دون أطراف..

مسرحية « توقيع » نص عصام اليوسفي، وإخراج: محمود الشاهدي، وتشخيص: زكريا لحلو، وسيلة صابحي، أمين ناسور، هاجر الشركي ومحسن مالزي.

 


-فبراير-2019 10:00

https://m.hespress.com/art-et-culture/422414.html


Video vers le Théâtre

Info Théâtre

News Letter

Recevez toutes les actualitées du théâtre national Mohamed V sur votre email!

captcha

Tickets

tickets

Pour Acheter Votre Ticket

Appelez Le 05 37 20 83 16